فصل: مسألة ثناء مالك على سليمان بن يسار وعبيد الله بن عتبة بن مسعود:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الصلاة في سقائف مكة فرارا من حر الشمس:

في الصلاة في سقائف مكة فرارا من حر الشمس وسئل مالك عن الرجل يصلي في السقائف بمكة من الشمس وبينه وبين الناس فرج، قال: أرجو أن يكون ذلك واسعا، وليس كل الناس سواء، وحر مكة شديد. وقد وضع عمر بن الخطاب ثوبه فسجد عليه من شدة الحر، فقيل له فإن رجلا يطيق أن يصلي في الشمس ويحمل ذلك أترى أن يتقدم؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: خفف مالك للرجل أن يصلي وحده في السقائف ويترك التقدم إلى الفرج التي في صفوف الناس لموضع الضرورة، ولو فعل ذلك من غير ضرورة لكان قد أساء وصلاته تامة على المشهور من قول مالك.
وقد روى ابن وهب أن من صلى خلف الصفوف وحده أعاد أبدا، وذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم لما جاء في ذلك عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ مما قد ذكرناه في أول رسم شك في طوافه في هذا السماع من كتاب الصلاة. ولو كان معه في السقائف غيره لم يكن منفردا فيها وحده لكانت صلاته جائزة بإجماع، وكلما كثر عدد القوم الذين يكونون معه في السقائف كانت الكراهية له معهم في الصلاة وترك التقدم إلى الفرج التي في الصفوف أخف. فقد روى أشهب عن مالك في رسم الصلاة الأول من سماع أشهب من كتاب الصلاة أنه سئل عمن دخل من باب المسجد فوجد الناس ركوعا وعند باب المسجد ناس يصلون ركوعا وبين يديه الفرج أيركع مع هؤلاء الذين عند باب المسجد أم يتقدم إلى الفرج؟ قال: أرى أن يركع مع هؤلاء الذين عند باب المسجد فيدرك الركعة، إلا أن يكونوا قليلا فلا أرى أن يركع معهم، ويتقدم إلى الفرج أحب إلي. وأما إذا كانوا كثيرا فأرى أن يركع معهم. ففي هذا دليل على ما قلناه. وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع في كتاب الصلاة. والصلاة في السقائف بصلاة الإمام فرارا من الحر بخلاف الطواف فيها فرارا من الحر. قال ابن القاسم في المدونة يعيد الطواف إن طاف فرارا من الحر، فإن طاف فيها فرارا من زحام الناس فلا بأس بذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة يطلق الأمة ثلاثا ثم يشتريها:

في الذي يطلق الأمة ثلاثا ثم يشتريها هل تحل له بملك يمينه؟ قال مالك في حديث زيد بن ثابت في الذي يطلق الأمة البتة واشتراها إنها لا تحل له، قال: فقد سئل عن ذلك غير واحد من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيرهم، فكلهم يقول: لا تحل له.
قال محمد بن رشد: هذا هو مذهب مالك رَحِمَهُ اللَّهُ وجميع أصحابه أن ما حرم بالنكاح حرم بالملك، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وإسحاق وأحمد. وقال ابن عباس وطاووس والحسن: إذا اشتراها الذي بت طلاقها حلت له بملك اليمين، لقول الله عز وجل: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] وهو بعيد. قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] ليس على عمومه، فكما تخصص من ذلك. ذوات المحارم من النسب والرضاع فكذلك تخصص من ذلك المحرمات بالطلاق ثلاثا إلا بعد زوج، لقوله عز وجل: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]. واختلف الصحابة ومن بعدهم هل تحل لزوجها الذي طلقها ثلاثا بوطء سيدها إياها. روي أن عثمان بن عفان سئل عن ذلك وعنده علي وزيد بن ثابت، فرخص في ذلك عثمان وزيد بن ثابت قالا هو زوج، فقام علي مغضبا كارها لما قال، وقال: ليس بزوج، وهو قول عبيدة، ومسروق، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد، وسليمان بن يسار، وأبي الزناد؛ وعليه جماعة فقهاء الأمصار. وروي عن الزبير بن العوام مثل قول زيد بن ثابت إن وطء السيد إياها يحلها لزوجها الذي بت طلاقها إذا وطئها وطئا لم يرد به مخادعة ولا إحلالا. وقال عطاء: إن اشتراها الزوج فوطئها ثم أعتقها جاز له نكاحها. وروي مثل هذا عن زيد بن ثابت، وروي عنه من وجوه أنها لا تحل حتى تنكح زوجا غيره، وهو الصحيح عنه. وبالله التوفيق.

.مسألة سيرة معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري في قراءة القرآن:

في سيرة معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري في قراءة القرآن وفضل معاذ بن جبل قال مالك: بعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاذ بن جبل وعبد الله بن قيس وهو أبو موسى، فقال معاذ لأبي موسى: ما فعلت بالقرآن؟ قال مالك: أراهم شغلوا بتعليم الناس، فقال أبو موسى: أما أنا فأتفوق القرآن تفوقا ماشيا وراكبا وقاعدا، فقال معاذ أما أنا فأنام أول الليل وأقوم أخره وأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. قال: وسمعت مالكا يقول: بلغني أن معاذ ابن جبل إمام العلماء بربوه.
قال محمد بن رشد: في فعل أبي موسى جواز قراءة القرآن في الأسواق والطرق، وقد اختلف في ذلك قول مالك، فكرهه في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة، وحكى ابن حبيب عنه من رواية مطرف إجازة ذلك واحتج بقول أبي موسى: فأما أنا فأتفوقه تفوقا ماشيا وراكبا وقاعدا وعلى كل حال. ويدل على جواز هذا أيضا ما وقع في الموطأ عن عمر بن الخطاب أنه كان في قوم وهم يقرؤون القرآن فذهب لحاجته ثم رجع وهو يقرأ القرآن الحديث. والكراهة في ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها تنزيه القرآن وتعظيمه بأن لا يقرأ في الطرق والأسواق لما قد يكون فيها من الأقذار والنجاسات، والثاني أنه إذا قرأه على هذه الحال لم يتدبره حق التدبر، والثالث أن يخشى ما يدخله في ذلك مما يفسد نيته، وهو الذي يدل عليه استدلال مالك لذلك في هذا الرسم من كتاب الصلاة، لقول الله عز وجل: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] وبالله التوفيق.

.مسألة السفر في طلب العلم:

في السفر في طلب العلم قال مالك: وقد كان الرجل يقدم من البلد إلى البلد يسأل عن علم القضاء.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، لأن العلم لا يحصل إلا بالعناية والملازمة والبحث والنصب، والصبر على الطلب، كما حكى الله عن موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه قال للخضر: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [الكهف: 69] وأنه قال لفتاه: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62]. وقال سعيد بن المسيب إن كنت لأرحل في طلب العلم والحديث الواحد مسيرة الأيام والليالي، وبذلك ساد أهل عصره، وكان يسمى سيد التابعين. وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من سلك طريقا يطلب فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة» وبالله التوفيق لا شريك له.

.مسألة كراهية أن يقال الزيارة في البيت الحرام وفي قبر النبي:

في كراهية أن يقال الزيارة في البيت الحرام وفي قبر النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قال مالك: أكره أن يقال: الزيارة لزيارة البيت، وأكره ما يقول الناس زرت النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ وأعظم ذلك أن يكون النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ يزار.
قال محمد بن رشد: ما كره مالك هذا، والله أعلم، إلا من وجه أن كلمة أعلى من كلمة. فلما كانت. الزيارة تستعمل في الموتى. وقد وقع فيها من الكراهة ما وقع كره أن يذكر مثل هذه العبارة في النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، كما كره أن يقال أيام التشريق واستحب أن يقال الأيام المعدودات كما قال الله عز وجل، وكما يكره أن يقال العتمة ويقال العشاء الآخرة، ونحو هذا؛ وكذلك طواف الزيارة كما استحب أن يسمى بالإفاضة كما قال الله عز وجل في كتابه: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198] فاستحب أن يشتق له الاسم من هذا. وقيل: إنه إنما كره لفظ الزيارة في الطواف في البيت والمضي إلى قبر النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ لما للزائر من الفضل على المزور في صلته بزيارته إياه، ولا يمضي أحد إلى قبر النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ ليصله بذلك ولا لينفعه، وكذلك الطواف بالبيت، وإنما يفعل ذلك تأدية لما يلزمه من فعله ورغبة في الثواب على ذلك من عند الله عز وجل، وبالله التوفيق.

.مسألة وسم الدواب والغنم في وجوهها:

في كراهة وسم الدواب والغنم في وجوهها قال مالك: لا بأس بالوسم للحمير والبغال إذا لم يكن في الوجه، فإنه يكره أن يوسم في الوجه. قيل له: فالغنم في الأذن؟ قال: إنه يكره أن يوسم في الوجه. قال ابن القاسم: وقد قال مالك قبل ذلك لا بأس به في الأذن.
قال محمد بن رشد: كره مالك أن توسم الدواب والإبل والبقر في وجوهها لنهي النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ عن المثلة، ولم ير به بأسا فيما عدا وجوهها من أجسادها. ولما لم يكن إلى وسم الغنم في أجسادها سبيل من، أجل أن الشعر يغشاها فتغيب السمة أجاز أن توسم في آذانها للحاجة إلى سماتها، والمعنى في هذا بين.

.مسألة تفسير الصلاة الوسطى:

في تفسير الصلاة الوسطى وسئل مالك عن تفسير هذه الآية فيما كانت تكتب عائشة وحفصة: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، أهي صلاة العصر أو غير صلاة العصر؟ قال: بل هي غير صلاة العصر.
قال محمد بن رشد: فيما جاء عن عائشة وحفصة من أن كل واحدة منهما أملت على كاتب مصحفها حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر- بالواو على العطف- دليل واضح في أن الصلاة الوسطى ليست صلاة العصر كما قال مالك، والذي ذهب إليه أنها الصبح، ودليله عن ذلك أن قبلها صلاتين من الليل مشتركتي الوقت وبعدها صلاتين من النهار مشتركتي الوقت، وهي واسطة فيما بين ذلك منفردة بوقتها لا يشركها فيه غيرها من الصلوات؛ وأيضا فإنها صلاة يضيعها الناس كثيرا لنومهم عنها وعجزهم عن القيام إليها، فخصت بالتأكيد لهذه العلة. وقد قيل إنها العصر، وهو قول أكثر أهل العلم.
والحجة لهم ما روي من قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الخندق: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقلوبهم نارا» كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي الصلاة التي فتن عنها نبي الله سليمان بن داوود- عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- حتى توارت الشمس بالحجاب، قال الله عز وجل: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} [ص: 31] {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: 32] إلى قوله: {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ} [ص: 33] وقال من ذهب إلى هذا في قراءة عائشة وحفصة: وصلاة العصر- بالواو- إن معنى ذلك وهي صلاة العصر، كقول الله عز وجل: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]. وقد روي عنها والصلاة الوسطى صلاة العصر- بغير واو- على البدل.
وقد قيل إنها الظهر بدليل أنها تصلى في وسط النهار، وليس ذلك بصحيح، لأن لفظ وسطى إنما يحتمل أحد معنيين: إما موسطة بين أخواتها من الصلوات، وإما فاضلة، من قولهم كان فلان وسط القوم أي أفضلهم. قال الله عز وجل: {أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] أي خيارا عدولا. وقال تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [القلم: 28] أي أعدلهم وأفضلهم {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ} [القلم: 28].
وقيل: إنها المغرب بدليل أنها ثلاث ركعات لا نظير لها من الصلوات.
وقيل: إنها الجمعة. ورأيت لبعض العلماء أنها العتمة فيما أظن، وهذا كله، والله أعلم، على أن الله خصها بالذكر وأبهمها ليكون ذلك سببا للمحافظة عليها كلها كليلة القدر، وبالله التوفيق.

.مسألة السلام بين الركعتين والركعة في الوتر:

في السلام بين الركعتين والركعة في الوتر قال مالك: بلغني أن معاذا القارئ كان يوتر ويسلم في ركعتين.
قال محمد بن رشد: اختلف الناس في الوتر، فقيل إنها ركعة واحدة، وقيل: إنها ثلاث ركعات لا يفصل بينهن بسلام، وقيل: إنها ثلاث ركعات يسلم في الاثنتين منهن وفي أخراهن على ما جاء عن معاذ في هذه الحكاية. وذهب مالك إلى أنه ركعة واحدة عقب شفع أدناه ركعتان على ما روي عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ من رواية ابن عمر أنه قال: «صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة توتر له ما قد صلى». وقد جرى به العمل عندنا بقرطبة على قديم الزمان في الجامع وفي سائر المساجد في رمضان على ما جاء عن معاذ، وبالله التوفيق.

.مسألة ما يستحب من تواضع الخلفاء:

فيما يستحب من تواضع الخلفاء قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا إذا قدما من سفر ودنيا من المدينة أردفا خلفهما غلامين. فقيل له فما الذي ترى أنهما أرادا بذلك؟ قال: التواضع في رأيي وأن لا يكونا كغيرهما من الملوك.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين: من تواضع لله رفعه الله وبه التوفيق.

.مسألة الصلاة في ثوب واحد:

قال مالك: ولقد حدثني نافع أن عبد الله بن عمر كساه ثوبين، قال فدخل علي وأنا أصلي في ثوب واحد، فقال له: فأين ثوبك؟ فقال له: تركته، فقال: فخذ ثوبك فإن الله أحق من تجمل له.
قال محمد بن رشد: قد تقدم الكلام على هذا مستوفى في صدر رسم من مرض وله أم ولد، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة العمل أثبت من الأحاديث:

في أن العمل أثبت من الأحاديث قال مالك: أدركت بعض أهل العلم ممن كنت أقتدي به وهو يقول: إني لأراه ضعيفا لمن يخبر بالشيء ويقول حدثني فلان، فلا يعجبني ما قال، لأن المعنى في ذلك من الأحاديث.
قال محمد بن رشد: قوله إني لأراه ضعيفا لمن يخبر بالشيء، أي بالشيء فيما استمر عليه العمل فيعوض ذلك بما عنده من الأحاديث. وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في أول رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة الحض على من يصحب ويستشار:

في الحض على من يصحب ويستشار وحدثني عمر بن الخطاب قال: لا تصحب فاجرا لكي لا تتعلم من فجوره، ولا تفش إليه سرك، وشاور في أمرك الذين يخافون الله. قال مالك: وأخبرني رجل عن ابن سيرين أنه نزل به شيء في خاصته وأمر رجلا أن يلقى فلانا وفلانا ويستشيرهم له في ذلك وأمره ألا يستشير غيرهما، فقلت لمالك: رجاء علم ذلك عندهما؟ قال: بل رجاء أن يتوقع في ذلك الأمر لفضلهما فرجاء بركة ذلك.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين أنه لا ينبغي لأحد أن يصحب إلا من يقتدى به في دينه وخيره، لأن قرين السوء يردي ويندم على اتخاذه خليلا. قال الله عز وجل: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} [فصلت: 25] الآية، وقال: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا} [الفرقان: 27] {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا} [الفرقان: 28] الآية. وقيل إن هذه الآية نزلت في أبي بن خلف، كان يأتي النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ يقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا باتباعه يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، هو عقبة بن أبي معيط، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا. وقد قال الحكيم:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ** فكل قرين بالمقارن مقتدي

ولا ينبغي لأحد أن يستشير في شيء من أموره إلا من يخاف الله من أهل الثقة والأمانة مخافة أن يغشه ولا ينصحه. وينبغي له أن يتوخى في ذلك أهل الفضل والدين تبركا بهم ورجاء أن يوفقوا فيما يشيرون به عليهم بفضلهم، وبالله التوفيق.

.مسألة سن النبي عليه السلام وأبي بكر وعمر:

في سن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ وأبي بكر وعمر قال مالك: بلغني أن أبا بكر وعمر بلغا من السن سن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، وأن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ توفى وهو ابن ستين سنة، وأبو بكر وعمر ابني ستين سنة.
قال محمد بن رشد: قد ذكر البخاري من رواية الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال: توفي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن ثلاث وستين سنة، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر وهو ابن ثلاث وستين. وقد روى حميد عن أنس قال: توفي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن خمس وستين سنة. وروى عن ربيعة في الموطأ: أنه توفي وهو ابن ستين سنة كما قال مالك في هذه الرواية. واختلفت الرواية في ذلك أيضا عن ابن عباس فروي عنه أنه توفي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن ثلاث وستين، وروي عنه أنه توفي وهو ابن خمس وستين سنة. ولم يختلف أهل العلم بالأثر والسير في أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولد عام الفيل إذ ساقته الحبشة إلى مكة يهدمون البيت.
واختلف في سنه يوم نُبِّئَ، فقيل أربعون، وقيل ثلاث وأربعون. واختلف أيضا في مقامه بمكة بعد أن نُبِّئَ إلى أن هاجر منها إلى المدينة، فقيل عشر سنين، وقيل ثلاث عشرة سنة.
فمن قال إنه نُبِّئَ وهو ابن أربعين وإنه أقام بمكة عشر سنين قال: إنه توفي وهو ابن ستين؛ ومن قال إنه نُبِّئَ وهو ابن ثلاث وأربعين وأقام بمكة عشر سنين، أو إنه نُبِّئَ وهو ابن أربعين وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة قال: إنه توفي وهو ابن ثلاث وستين. والرواية بأنه توفي وهو ابن خمس وستين سنة تقتضي أنه نُبِّئَ وهو ابن أكثر من أربعين وأنه أقام بمكة أكثر من عشر سنين. وأصح ما في هذا، والله أعلم، أنه توفي وهو ابن ستين سنة على ما روى ربيعة عن أنس في الموطأ، بدليل ما روي عن عائشة أنها كانت تقول: «إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لفاطمة ابنته في مرضه الذي مات فيه مما سارها به وأخبرت به عائشة بعد وفاته، قالت عائشة: أخبرتني أنه أخبرها أنه لم يكن نبي كان بعد نبي إلا عاش نصف عمر الذي كان قبله وأخبرني أن عيسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عاش عشرين ومائة سنة ولا أراني إلا ذاهبا على ستين». وعن زيد بن أرقم أنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما بعث الله نبيا إلا عاش نصف ما عاش الذي قبله» لأن ما قاله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مبلغ سنه يقضي بصحة قول من قال من أصحابه في ذلك كقوله، وبالله التوفيق.

.مسألة ثناء مالك على سليمان بن يسار وعبيد الله بن عتبة بن مسعود:

في ثناء مالك على سليمان بن يسار وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، وفي بر العالم وخدمته قال مالك: كان سليمان بن يسار من علماء أهل هذه البلدة بالسنين، ولقد كان يكون في مجلسه، فإذا كثر الكلام فيه قام منه وإنه لمجلسه، ولقد كان الناس يحبون الخلوة والانفراد من الناس، ولقد كان أبو النضر يفعل ذلك في مجلس ربيعة، كان يأتي ربيعة فإذا كثر الناس وكثر الكلام قام.
قال مالك كان عبيد الله بن عتبة بن مسعود من علماء الناس، وكان رجلا إذا دخل في صلاته فقعد إليه أحد لم يقبل عليه حتى يفرغ من صلاته على نحو ما كان يريد من طولها، وأن علي بن أبي حسين كان من أهل الفضل، وكان ربما جاءه فجلس إليه فيطول في صلاته ولم يلتفت إليه، فقال له علي بن حسين وهو من هو منه، فقال لابد لمن طلب هذا الأمر أن يعنى به. وقد كان ابن شهاب يصحب عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود حتى إن كان لينزع له الماء.
قال محمد بن رشد: كان سليمان بن يسار يقوم من مجلسه إذا كثر الكلام فيه، لأن كثرة الكلام إن كان في العلم خفي معه الصواب. والمراء في العلم لا تؤمن فتنته، ولا تفهم حكمته؛ وإن كان في غير العلم فهو اللغط- الذي ينبغي أن يتنزه عنه. وإنما كان عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود لا ينصرف من صلاته لمن يجلس إليه حتى يتمها على ما كان نوى من طولها، لأنه إذا كان نوى قدرا من الطول في الصلاة انبغى له أن لا يرجع عما نواه من ذلك إلا لعذر، لأنه شيء وعد الله عز وجل به من نفسه فلا ينبغي لأحد أن يخلف وعده، فإن فعل فقد بخس نفسه حظها، وإن كان لا إثم عليه في ذلك ولا حرج، لأن الذي يجب عليه إنما هو أن يتمها ولا يقطعها لقول الله عز وجل: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]. وقد قال في هذا المعنى فيمن افتتح صلاة النافلة قائما هل له أن يتمها جالسا، فأجاز ذلك ابن القاسم ولم يجزه له أشهب، وبالله التوفيق.

.مسألة تواضع الأمراء وما يستحب من فعل الخير:

في تواضع الأمراء وما يستحب من فعل الخير قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعثمان بن عفان كانا ينزلان بالمعرس، فإذا دنوا ليدخلا المدينة لم يبق أحد منهم إلا أردف غلاما خلفه، وكان عمر وعثمان يردفان، فقلت له: يا أبا عبد الله إرادة التواضع؟ قال: نعم، والتماس أن يحمل الراجل، وذكر ما أحدث الناس من أن يمشوا غلمانهم وعاب عليهم ذلك.
قال محمد بن رشد: في هذا تواضع الأمراء، ومن تواضع لله رفعه الله، وترك احتقار يسير الأجر، لقول الله عز وجل: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 8]. وقد مضى هذا فوق هذا، وبالله التوفيق.

.مسألة أول من استقضى:

في أول من استقضى وسئل مالك من أول من استقضى؟ فقال معاوية بن أبي سفيان، فقيل له: فعمر؟ فقال لا، فقال له رجل من أهل العراق: أفرأيت شريحا؟ قال: كذلك يقولون. ثم قال لهم: كيف يكون هذا أيستقضى بالعراق ولا يستقضى بغيرها؟ قالوا له: أما مكانه فكان يجري، قال فالشام واليمن وغير ذلك من البلدان لم يستقض فيها واستقضى بالعراق، قال: ليس كما تقولون.
قال محمد بن رشد: هذا بين من قول من قال إن معاوية لم ينقص قاضيا، وهو نحو ما مضى في رسم تأخير صلاة العشاء في الحرس، وخلاف ما يدل عليه ما تقدم في رسم طلق بن حبيب. وقد مضى الكلام على ذلك في الموضعين.

.مسألة لم يفرض للمولود حتى يفطم:

في أن عمر كان لا يفرض للمولود حتى يفطم قال مالك: كان عمر لا يفرض للمولود حتى يفطم، فسمع ليلة بكاء صبي فقال: ما له؟ فقالوا: أرادوا فطامه، فقال عمر: كدت والذي نفسي بيده أن أقتله، ففرض للمولود بعد ذلك.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه الحكاية في المدونة أكمل منها هاهنا: قال كان عمر لا يفرض للمولود حتى يفطم، فمر ليلة فسمع صبيا يبكي فقال: مالكم لا ترضعونه؟ فقالوا: إن عمر لا يفرض للمولود حتى يفطم، وإنا فطمناه، فقال عمر: قد كدت والذي نفسي بيده أن أقتله، ففرض من ذلك اليوم للمولود مائة درهم. والمعنى في هذا بين منه فضل عمر وإشفاقه على رعيته وتوسعته عليهم في العطاء، وبالله التوفيق.

.مسألة حمل عمر وعثمان الدرة والنهي عن القصص:

في حمل عمر وعثمان الدرة، والنهي عن القصص وفي أول من جعل المصحف وجعل القاضي قال مالك: كان عمر وعثمان يحملان الدرة، فقيل له: لم؟ قال: يضربان الناس. قال مالك: ولقد بلغني أن عثمان مر بقاص يقص لا أدري تميم يقص أو غيره، فقال له: غدوة وعشية وعشاء قال: فضربه بالدرة وأنكر القصص الذين في المساجد. قال: إن أول من جعل مصحفا الحجاج بن يوسف، وأول من جعل القاضي معاوية.
قال محمد بن رشد: إنما كان عمر وعثمان يحملان الدرة تواضعا منهما ليؤدبا بها بأنفسهما من استحق الأدب، كما فعل عثمان بالقاص الذي أكثر القصص وذلك خلاف السنة، فقد «كان النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ يتخول الناس بالموعظة مخافة السآمة عليهم». وقوله: وأنكر القصص الذين في المساجد إنما هو من قول مالك في الحكاية لا من قول عثمان.
وقوله إن أول من جعل مصحفا، يريد أول من رتب القراءة في المصحف إثر صلاة الصبح بالمسجد مثلما يصنع عندنا إلى اليوم. وقد مضى الكلام قبل هذا بيسير فيمن أول من استقضى، وبالله التوفيق.

.مسألة كراهة التمضمض في المسجد:

في كراهة التمضمض في المسجد قال مالك وذكر حديث القاسم بن محمد أن رجلا تمضمض وهو صائم والقاسم ينظر إليه ثم مجه في المسجد، وهو شيء يفعله الناس أن يتمضمضوا قبل أن يفطروا، فعاب ذلك عليه. فقيل له إنه بلغني فيه ما هو شر منه وكأنه يريد أن يحاجه، فقال القاسم: إن ذلك ما لا يجد الناس منه بدا. ثم قال مالك: وليس الشيء الذي لا يجد الناس منه بدا مثل الذي يجدون منه بدا.
قال محمد بن رشد: المعنى في كراهة ذلك بين، لأن الله عز وجل قال: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36] فينبغي أن ترفع وتنزه من أن يلقى فيها شيء مما يستقذر وإن كان طاهرا، فلا يتمضمض ولا يتنخم فيها ولا يبصق فيها. وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«التفل في المسجد خطيئة وكفارته أن تواريه» «ونهى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قتل القملة في المسجد وأمر بإخراجها منه» فلا يقتل الرجل القملة في المسجد ولا يطرحها فيه، فإن قتلها أخرجها منه ولم يدفنها فيه لنجاستها، بخلاف التفل. وقتل البرغوث فيه أخف، وبالله التوفيق.

.مسألة الصلاة في المقبرة:

في الصلاة في المقبرة وسئل مالك عن الصلاة في المقبرة التي قد درست، قال: لا بأس بذلك. قيل له: فبين القبور على الأرض؟ قال: لا بأس بذلك، إنما هي مثل غيرها من الأرضين. قال ابن القاسم: ولا أرى بأسا أن تجمع الصلاة في وسط القبور المكتوبة وغيرها. قال ابن القاسم: وقد أخبرني مالك أن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانوا يصلون في المقبرة.
قال محمد بن رشد: لما سئل مالك عن الصلاة في المقبرة التي قد درست فقال: لا بأس بذلك، فقيل له: فبين القبور على الأرض، أي إذا لم تكن دارسة، قال: لا بأس بذلك إنما هي مثل غيرها من الأرضين. فالصلاة في المقابر التي للمسلمين على ظاهر هذه الرواية وما جاء في المدونة جائزة، عامرة كانت أو دارسة، وهو نص قول ابن حبيب في الواضحة. وسواء على ظاهر هذه الرواية كان فيها نبش أو لم يكن فيها نبش. وقال عبد الوهاب: إنما تجوز الصلاة فيها إذا لم يكن فيها نبش. والاختلاف في هذا جار على الاختلاف في الميت هل ينجس بالموت أم لا، وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم القبلة من سماع ابن القاسم من كتاب الجنائز. والنهي الوارد عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ عن الصلاة في المقبرة، من أهل العلم من لا يصححه، ومنهم من يصححه ويحمله على عمومه في جميع المقابر، ذهب إلى هذا بعض أصحاب الحديث، ورأى مالك رَحِمَهُ اللَّهُ العمل مقدما عليه فقال: قد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون في المقابر، على أصله في أن العمل مقدم على أخبار الآحاد. وقال ابن حبيب في النهي معناه في مقابر المشركين لأنها من حفر النار، وقوله أولى الأقوال، لأن العموم يحتمل الخصوص، فيخصص من عموم نهيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الصلاة في المقابر مقابر المسلمين بعمل الصحابة، ويبقى الحديث محكما في مقابر المشركين. فإن صلى رجل في مقابر المسلمين وفيها نبش أعاد في الوقت على القول بأن الميت ينجس، بالموت، وإن صلى في مقابر المشركين العامرة أعاد في الوقت وبعده، جاهلا كان بأن الصلاة لا تجوز فيها أو عالما بذلك، وإن كان ناسيا أو لم يعلم بأنها مقبرة المشركين أعاد في الوقت على حكم المصلي بثوب نجس أو على موضع نجس، لأنها تنجس بعمارتهم. هذا معنى قول ابن حبيب في الواضحة؛ وإن كانت دارسة فلا إعادة عليه، وبالله التوفيق.